الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

261

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الاستعارة ، وحسّنها أنّ الشهداء أحياء ، فهو استعارة أو مشاكلة تقديرية لأنّ قولهم ، ما قتلنا هاهنا يتضمّن معنى أنّ الشهداء كانوا يبقون في بيوتهم متمتّعين بفروشهم . وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ . وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ عطف على قوله : لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ [ آل عمران : 153 ] وما بينهما جمل بعضها عطف على الجملة المعلّلة ، وبعضها معترضة ، فهو خطاب للمؤمنين لا محالة ، وهو علّة ثانية لقوله : فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ [ آل عمران : 153 ] . والصّدور هنا بمعنى الضّمائر ، والابتلاء : الاختبار ، وهو هنا كناية عن أثره ، وهو إظهاره للنّاس والحجّة على أصحاب تلك الضّمائر بقرينة قوله : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ كما تقدّم في قوله تعالى : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [ آل عمران : 140 ] . والتمحيص تخليص الشيء ممّا يخالطه ممّا فيه عيب له فهو كالتزكية . والقلوب هنا بمعنى العقائد ، ومعنى تمحيص ما فيه قلوبهم تطهيرها ممّا يخامرها من الريب حين سماع شبه المنافقين الّتي يبثّونها بينهم . وأطلق الصدور على الضّمائر لأنّ الصدر في كلام العرب يطلق على الإحساس الباطني ، وفي الحديث : « الإثم ما حاك في الصّدر » وأطلق القلب على الاعتقاد لأنّ القلب في لسان العرب هو ما به يحصّل التفكّر والاعتقاد . وعدّي إلى الصّدور فعل الابتلاء لأنّه اختبار الأخلاق والضّمائر : ما فيها من خير وشرّ ، وليتميّز ما في النفس . وعدّي إلى القلوب فعل التمحيص لأنّ الظنون والعقائد محتاجة إلى التمحيص لتكون مصدر كلّ خير . [ 155 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 155 ] إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 155 ) استئناف لبيان سبب الهزيمة الخفيّ ، وهي استزلال الشيطان إيّاهم ، وأراد ب يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ يوم أحد ، و ( استزلّهم ) بمعنى أزلّهم أي جعلهم زالّين ، والزلل مستعار لفعل الخطيئة ، والسين والتاء فيه للتأكيد ، مثل استفاد واستبشر واستنشق وقول النّابغة : وهم قتلوا الطائي بالجوّ عنوة * أبا جابر فاستنكحوا أم جابر أي نكحوا . ومنه قوله تعالى : وَاسْتَغْنَى اللَّهُ [ التغابن : 6 ] وقوله : أَبى وَاسْتَكْبَرَ [ البقرة : 34 ] . ولا يحسن حمل السين والتاء على معنى الطلب لأنّ المقصود لومهم على